*جميع الأحداث الواردة حقيقية عدا الأسماء فقط
١)
كانت الساعة تقارب التاسعة مساءً، في واحدة من ليالي يناير ٢٠١١ – قبل الثورة بأسبوع تقريبًا –، أجلس كعادتي في مكتب شؤون الأفراد محل خدمتي عندما تنامى إلى مسامعي صراخ صوت صعيدي مميز “بس يا منصور، ماتهزرش”، “أبّاي عليك يا أخي، يا منصور أنا جاي من الجطر وتعبان يا خوي”، كان هذا صوت شادي زميلنا الصعيدي الطيب، خرجت من مكتبي مسرعًا، فوجدت منصورًا يمسك ببنطال شادي محاولًا إجباره على خلعه، جريت نحوه وأنا أصرخ: “انت اتهبلت يا بني آدم، عايز إيه منه”، كانت إجابة “منصور” سريعة حين أجابني بما معناه “أنه يريد ممارسة الرذيلة مع شادي”.
– يخرب بيتك يا منصور، انت اتهبلت؟
= لا؛ ماهو أنا لازم أعمل كده عشان أخش الجنة.
– جنة إيه اللي تخشها؟
= الصول ميدو قاللي لو عملت كده في الواد شادي المسيحي ربنا هيدخلني الجنة من غير ما أتحاسب.
ساعدني جهله بقدراتي المحدودة كـ”عسكري” مثله في إقناعه بقدرتي على حبسه وتحويله للمحاكمة العسكرية، و أُنقذ شادي هذه المرة.
٢)
وآه يا عبد الودود يا للي رابض ع الحدود
و محافظ عالنظام
كيفك يا واد صحيح
عسى الله تكون مليح
وراقب للأمام
٣)
طبيعة شَغل الوقت في الوحدات العسكرية متشابهة تقريبًا، كلما كنت “أقدم”، كلما زاد عدد من تستطيع أن تمارس “معهم” سلطتك، قائد الوحدة يوبخ الضباط الأقل رتبة لأنهم “يدللون” العساكر، الضباط بدورهم يوبخون ضباط الصف، و أخيرا ضباط الصف – الأكثر انتهازية وجشعًا فيمن خلق الله – يقومون بالدور الأسوأ مع المجندين “العساكر”، في نهاية اليوم ينظر القائد من شباك المبيت يرتشف قهوته وابتسامة صفراء تعلو وجهه، كره الجميع بعضهم البعض، تمت المهمة.
هذا التراتب الهرمي ومناولة الذل والطغيان يجعل السيرك متكاملًا، كلٌ يطغى على كل، أو لنقل “كلٌ يطغى – في النهاية – على العساكر”.
منصور لم يكن يكذب، بالفعل أخبره الصول ميدو أنه إذا مارس الرذيلة مع المسيحي – أي مسيحي – سيدخل الجنة، حيلة متكررة من ميدو لخلق قصة للتندر مع أقرانه؛ فكيف سيقضي هذا الـ “ميدو” حياته في مثل هذا المكان البائس دون هكذا قصص.
٤)
حسّك عينك تزحزح يدك عن الزناد
خليك يا عبده راصد لساعة الحساب
٥)
حكايات منصور لاتنتهي، سواءٌ تلك التي يرويها، أو التي تروى عنه، ما زلت أذكر أول ليلة لي في الكتيبة حين جاء منصور بصفته أقدم العساكر ليوقظ الجميع لأجل طابور النظافة الصباحي وهو عارٍ تمامًا، كما ولدته أمه – لا أبالغ – بلا أي شيء يستره.
كان منصور عسكري “حملة”، أي أنه مسؤول عن صيانة المركبات الخاصة بالكتيبة، كان دائم الشكوى من سيارة معينة وينعتها دائما بـ “عربية نجسة”، سيارة نصف نقل لا تسير تقريبًا، إذا عرفت قصتها ربما ستعرف أنت نفسك أنها لا يمكن أن تسير أبدًا.
في بداية فترة تجنيدي كنت أسمع دائمًا عن ضابط ترك الوحدة قبل تجنيدي بعدة أشهر يدعى “الأحمدي”، كانت حكايات ساديته وتعذيبه للعساكر متداولة بكثرة، غير أن الحكاية الأشهر عنه – والمتداولة بين أقرانه الضباط أيضًا – أنه كان “مثلي” الجنس ! تسألني ماعلاقة هذا بقصة السيارة؟ سأجيبك؛ كان مما يشاع عن هذا الضابط أنه يجبر بعض العساكر “العادة” – هم العساكر الأميين – على ممارسة الرذيلة معه في هذه السيارة بشكل شبه يومي بعد بدء نوبة النوم، لم يرفض غالبية العساكر هذا الأمر، هم لا ينالون فرصة أن يكونوا الطرف الإيجابي في أي علاقة مع الضباط كثيرًا!
٦)
قوة .. عزيمة .. إيمان
الجيش المصري في كل مكان
“هتاف يومي أثناء الجري في طابور اللياقة”
٧)
التجنيد بقسوة مجتمعه الذكوري، يخلق أمراضًا نفسية وتشوهات عدة، خاصة إذا لم يكن متاح أمامك إلا قنوات الرقص الخليجي، وقنوات الأغاني الشعبية.
رأيت هذه التشوهات بأم عيني في شباب دخلوا الكتيبة معي في نفس اليوم وهم لا حول لهم ولا قوة، ليتحولوا بعد ثلاثة أشهر فقط إلى مدخنين شرهين جدًا، والأدهى مفاخرتهم بتبادل الـfrench kisses بين بعضهم البعض، أو الأقل فداحة في كل هؤلاء، من يغتسلون سويًا ليلحقوا بصلاة الجمعة.
٨)
آه ياعيون بريئة
مين بدل الحقيقة
ومين قلب المعاني
أدام عيني لدقيقة
٩)
لن أكون سوداويًا هنا، بالطبع “خير أجناد الأرض” ليسوا شواذًا، فقد سمعت بأم أذني كمًا من المكالمات الجنسية مع الساقطات على مدار أكثر من ثلاثمائة يوم ما يكفي لنفي تهمة “الشذوذ” – الحمد لله – هذه من أساسها.
الصول ميدو كان الأشهر والأبرع في هذا المجال، تأوهاته الليلية، اندماجه الشديد، رائحته الدائمة، والأكثر من ذلك لائحة أرقام ساقطاته التي لا تنضب.
كان لا يمل الحديث عن نوماته في ليالي نهاية الأسبوع، وإسالة لعاب العساكر في وصفه للساقطات، ومبادلة أرقامهن مع أرقام ساقطات أخريات ممن يحتفظ بهن جل المجندين.
١٠ )
– انت محبوس هنا ليه؟
– اتمسكت بإزازة خمرة ليلة تسليم الدفعة فأخدت أربع شهور سجن
– وانت اتحبست هنا ليه؟
– رئيس أركان علقني بآكل مانجة من مزرعة قائد الجيش
– ادالك حبس أد ايه؟
– ست شهور
*حوار مع اثنين من المحبوسين في سجن العزولي في يوليو ٢٠١٠
١١)
في طريق خروجك من معسكرنا، تقطع طريقك لوحة كبيرة مكتوب عليها “عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”، تحتها مباشرة كانت تُخبأ “أقراص التامول”.
هذا المقال لايعبر سوى عن رأي كاتبه كما أنه لا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست
إرسال تعليق