GuidePedia

0
10606242_540018576098389_1179597985317174676_n
قرون، يقرع آذاننا لفظ “الأمة” وتطلقه ألسنتنا حتى أُفرغ اللفظ من معانيه وأصبح لا يثير في الأنفس دهشة ولا في القلوب حبا أو بغضًا. إننا نحاول في هذه الكلمات الوقوف على مفهوم الأمة وكيف يسوقه المرجع الأصل لنا – الوحي قرآنًا وسنةً – بصورة عامة ودون الدخول في أي تحيز أو تخصيص أو تفريع.
الأمة كما تسوقها لغة العرب هي بمعنى القصد أو التوجه، وقد اصطُلح على استعمال الكلمة بمعنى “الجماعة من الناس يجمعهم جامع ما” فهي “جماعة” أي اجتمعت بعد فرقة أي أن أفرادها كل له شخصية مميزة وقد اجتمعوا بأن جمعهم أمر ما ربط بينهم فصاروا “أمة”. والقرآن يقر هذا التعريف الجامع ممثلا له بمعاني الجنس والشعب والقبيلة والعمل الواحد والدين، وغيرها، لكنه في ذات الوقت يضيف إليها ثلاث معان أخرى هي الملة أو المذهب، والرجل القدوة المعلم، والفترة من الزمن. ولنا على هذه المعاني ملاحظتان :
الأولى أن أغلب السياق القرآني لمفهوم الأمة يشترط جامع الدين ويقدمه إذا عارضه غيره. والثانية هي أن نظرة عميقة للمعاني الأربع تظهرها في صورة معنًا اجتماعي( جماعة يجمعها جامع) وديني( الملة أو المذهب)وتربوي( الرجل القدوة) وزمني( الفترة من الزمن) ليسوق لنا شمول المصطلح القرآني لكل جوانب الحياة وكل ما يصلح حال الناس ومؤكدا على ضرورة أن تعيش الأمة مواكبة للزمان.. ومناديا بضرورة اجتماع هذه المعاني كيلا نخل ب “الأمة”
وقد وصف القرآن هذه الأمة بخصائص جمة منها: - خيريتها المشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، والخيرية هنا داخلية بإصلاح الداخل وخارجية بدعوة الغير. - أمة وسطا لا غلو فيها ولا تفريط. - العالمية حيث ينظر الإسلام للعالم على أنه مكون من مسلمين( أمة الإجابة) ومسلمين محتملين( أمة الدعوة) ولما بعد ذلك ما له. - انعدام التجسد جغرافيا إذ لا حدود لهذه الأمة إنما تتوقف عند آخر من يقول لا إله إلا الله أينما كان.
ربما أستطيع الآن تعريف أمة الإسلام على أنها “جماعة من الناس يجمعها جامع الدعوة إلى إقامة مجتمع موحِّد وموحَّد يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في وسطية ظاهرة وهي غير متجسدة جغرافيا.
أشرنا إلى حرص القرآن على تقديم جامع الدين على غيره، وبظهور القوميات الحديثة، أصبحت هذه إحدى إشكاليات العصر وهو ما يدفعنا للحديث عن نشأة تلك القوميات مدفوعة بأسباب كثيرة منها:
1- رأسمالية الطباعة : فباختراع الطابعة احتاج أصحاب المطابع إلى اختيار لغة واحدة للطباعة تحقق لهم أكبر توزيع لمطبوعاتهم وبالتالي تعظيم المكاسب، وقد كان فأودي بحياة غيرها من اللغات وأثار في أنفس المتحدثين بها نزعة الأنا وخلق رابطا متخيلا بين كل من يقرأ تلك اللغة فظهرت الأمة الإنجليزية والفرنسية والإيطالية وغيرها. 2- إنشاء المتاحف والتي رتبت محتوياتها في صورة تثير الأنا أيضا بما يوحي أن لهذا المكان خصوصية وتاريخ منفصل عن العالم، تلاها. 3- الخرائط التي رسمت حدودا وهمية بين البلدان فأقامت عصبية قبلية ما كانت موجودة يوما، ولنا في قبائل أولاد علي في المنطقة بين مصر وليبيا أعظم مثال، عائلة واحدة قسمتها خطوط “سايكس بيكو لويد” بين دولتين مختلفتين. 4- التعدادات السكانية التي قيدت الناس في حيز المناطق التي خضعوا فيها للتعداد ومنعت أحيانا التنقل بين البلدان.
لهذه الأسباب وغيرها زادت الأنا لدى الشعوب الأوروبية خاصة واختلطت بفكرة إبعاد “الله” عن الحياة لتخرج لنا مسخا سمي بالدولة الحديثة تقوم على تعظيم “الأنا” فيما يسمى بالقومية حد عبادة الدولة. ومع الاستعمار،نقلت الدول الاستعمارية دولتها الحديثة بفلسفتها ومنظوماتها ومؤسساتها إلى المستعمرات في حرص شديد على تحويلها إلى نسخ مصغرة وتابعة لها وهو ما كان جليا في كلام منظري الاستعمار الذين اجتمعوا على قولة “ينبغي أن نغير لغة الناس وعاداتهم وتقاليدهم ليتحولوا إلى إنجليز أو هولنديين أو برتغاليين.. إلخ – كل حسب قوميته-”
إننا الآن أمام إطارين لتنظيم العالم، الأمة والقومية الحديثة، أما الأولى فربانية الفلسفة هدفها تعبيد الناس وإصلاح أحوالهم بأمر الله لكن وللأسف لم يتم التنظير لها بتفصيل كاف يسمح بتطبيق أطروحتها واقعيا، وأما الثانية فذات فلسفة واضحة في الفصل بين الدين والحياة إلا أنها لاقت تنظيرا كبيرا خلال الخمسين عاما الماضية فيما يعرف بعلم السياسة أو علم الاجتماع السياسي. أخذ المسلمون علم الاجتماع السياسي وطبقوه رغم مناقضة فلسفته لأصول الدين فأصبح هناك صدع واضح بين ما يطبق وبين دين الناس. تلا ذلك محاولات بئيسة لتبرير الإسلام وتفسيره من خلال الفكرة القومية الحديثة وربما “أسلمة” القومية الحديثة على الإطلاق فأصبنا بمرضنا العضال.. التبعية المطلقة.
توقفت أمتنا عند تلك النقطة بينما يتغير العالم وتطرح بدائل ليأخذ ببعضها ويهجر بعضها وسيتغير أكثر، يشي بذلك الواقع وتؤكده الدراسات، ففي العام 2013 أصدر مجلس الإستخبارات الأمريكي تقريرا عنون له ب “عوالم بديلة 2030″ متوقعا تغيرا جذريا للعالم بحلول العام 2030 نلخصه فيما يلي : هناك توجهات عالمية حاكمة للعالم تتمثل في: - زيادة القدرات الفردية من تعليم ومال وغيرها وبما يعطي الأفراد قوة أكبر وقدرة على تحريك العوالم من حولهم. - توزع السلطة وإنهاء قطبية العالم وهو ما يظهر جليا في أثر الصين “الشيوعية” في القرار الأمريكي “الليبرالي”. - تغير ديموغرافية العالم حيث تشيخ أوروبا بزيادة معدل أعمار قاطنيها بينما أفريقيا وأمريكا تظل شابة بصورة أو بأخرى. - تنامي صراع الماء والغذاء والطاقة، والمتتبع لأزمات مثل سد النهضة وحروب السودان ومالي يستجلي ذلك بسهولة شديدة. تلك التوجهات وبتأثير الفاعلين الحاليين في العالم تأخذ العالم إلى أحد إمكانات أربعة: • سقوط السيطرة الأمريكية وظهور بديل لها ربما يكون الصين. • تكوين تكتلات اقتصادية وسياسية تحرك العالم. • انفلات كثير من الدول عن النظام العالمي لضعف السيطرة وإتاحة الفرص. • عالم اللادولة.. حيث تضعف وربما تسقط سيطرة الدولة ليتحول العالم إلى مجتمعات مفتوحة يتحكم بها شركات ومنظمات ولوبيهات ذات نفوذ ربما سيفوق قدرات أي دولة.
نستطيع أن نجزم بحقيقة أن العالم يسير في تسارع شديد نحو التغيير، سواء من ناحية السنن الكونية التي فرضها الله أو من خلال توقعاتنا كبشر وبما يظهر من إرهاصات ومقدمات سقنا منها ما سقنا. هذه المقدمات وتلك الإرهاصات إنما تفرض علينا ضرورة السعي من أجل مواكبة التغيير وطرح رؤية ديننا للعالم ممثلا بمفهوم الأمة من أجل إصلاح ما فسد، لكننا في هذا نحتاج لجهد كبير في صياغة “الأمة” في مجالات الحياة، حتى إذا كان التغيير كنا أصحاب سبق وقيادة وربما حولنا العالم إلى “أمة”

إرسال تعليق