إن من فضل الله علينا نحن المسلمين أن جعل حياتنا زاخرة بالأعمال الصالحة ، والعبادات المشروعة التي تجعل المسلم في عبادةٍ مُستمرةٍ ، وتحوِّل حياته كلَّها إلى قولٍ حسنٍ ، وعملٍ صالحٍ ، وسعيٍ دؤوبٍ إلى الله جل في عُلاه ، وهذا الفضل يتجلى في مواسم الخير السنوية ، وأيام الخيرات والنفحات التي تكثر فيها الأعمال الصالحات .
ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اغتنام الأوقات الفاضلة فقال فيما رواه الطبراني بسند صححه الهيثمي عن أنس «افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ»
ومن هذه الأوقات الفاضلة والأزمنة المباركة عشر ذي الحجة التي أظلتنا بخيراتها ، وأتحفتنا بظل من أنوارها ، ولم لا وهي عشر مباركات ، فضلها معروف ، وكرم الله على عباده فيها موصوف ، فهي كثيرة الحسنات، قليلة السيئات متنوعة الطاعات ، عالية الدرجات .
فمن فضائلها أن الله أقسم بها فقال تعالى{وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} فقد قال جمهور المفسرين : إن هذه العشر التي أقسم الله بها هي عشر ذي الحجة ، والله تعالى لا يقسم إلا بعظيم .
وهي الأيام المعلومات التي يتبارى فيها العباد في ذكر الله تعالى ، فقد قال سبحانه مبينا الحكمة من الحج { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} فالأيام المعلومات على ما ذكر كثير من المفسرين هي أيام العشر الأوائل من ذي الحجة .
وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فضيلتها فقال فيما رواه الترمذي وغيره عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ»
ومن فضائلها: أن الله تعالى أكمل فيها الدين ، وبكمال الدين يكمل أهله، ويكمل عملهم، ويكمل أجرهم، روى البخاري ومسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَجُلاً مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا . قَالَ أَىُّ آيَةٍ قَالَ ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) . قَالَ عُمَرُ قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ وَالْمَكَانَ الَّذِى نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ .
ومن فضائلها: أن العبادات تجتمع فيها ولا تجتمع في غيرها، فهي أيام الكمال، ففيها الصلوات كما في غيرها، وفيها الصدقة لمن حال عليه الحول فيها، وفيها الصوم لمن أراد التطوع، أو لم يجد الهدي، وفيها الحج إلى البيت الحرام ولا يكون في غيرها، وفيها الذكر والتلبية والدعاء وسائر العبادات التي تدل على التوحيد . واجتماع العبادات فيها شرف لها لا يضاهيها فيه غيرها ولا يساويها سواها.
ومن فضائلها: أن فيها يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، هذا اليوم المشهود الذي له من الفضائل والمزايا الكثير والكثير ، فهو اليوم الذي يكفر صيامة سنتين ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِى قَتَادَةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال « صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ » والدعاء فيه خير الدعاء فقد روى الترمذي بسند حسن عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِى : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ »
فهل تحرص أيها المسلم على أن تجعل لنفسك وردا من الدعاء ؟ تجعل منه نصيبًا موفورًا لإخوانك ولأمتك ؟ وهل تخص بمزيد من صادق الدعوات إخوانك الصابرين الذين يواجهون آلات القمع والبطش من بعض ذويهم ؟
والشيطان في يوم عرفة محصور مدحور ذليل ، فقد روى مالك في موطئه عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ « مَا رُئِىَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلاَ أَدْحَرُ وَلاَ أَحْقَرُ وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلاَّ مَا أُرِىَ يَوْمَ بَدْرٍ ». قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ « أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ »
ومن فضائلها: أن فيها يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو أفضل الأيام , ففي صحيح ابن حبان بسند صحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أفضل الأيام عند الله يوم النحر ويوم القر ) وهو اليوم الذي يلي يوم النحر .
ومن هنا علينا أن نغتنم العمل فيها وأن نكثر من الصالحات في أيامها ولياليها من صلاة وصيام وصدقة وحج وعمرة وذكر لله تعالى وقد حثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإكثار من العمل الصالح لأن للطاعات فيها ثوابا عظيما عند الله تعالى ، فقد روى أحمد بسند صحيح عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ « مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلاَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ ». وهكذا كان سلفنا الصالح يعملون ، فقد روى البخاري أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما ، والتكبير في هذا الزمان صار من السنن المهجورة ولا سيما في أول العشر فلا تكاد تسمعه إلا من القليل، فينبغي الجهر به إحياء للسنة وتذكيرا للغافلين،
ومما يشرع في ختام أيام ذي الحجة الأضحية في يوم النحر ، هذه الأضحية التي هي سنة أبينا إبراهيم ، ولقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يريد الأضحية أن يمسك عن شعره وعن أظفاره ، فقد روى مسلم عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله « مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلاَلُ ذِى الْحِجَّةِ فَلاَ يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ وَلاَ مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّىَ »
إرسال تعليق